الشيخ محمد الصادقي
35
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
التوراة وهم يخالفونه في تكذيب محمد صلى الله عليه وآله ، ويأمرون الناس بطاعة اللَّه وهم يعصونه في محمد صلى الله عليه وآله ! وهذه الشيمة الشنيعة مخالفة للكتاب « وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ » ومخالفة للعقل « أَ فَلا تَعْقِلُونَ » . تخالف كتاب اللَّه الآمر بتصديق الرسول الآتي محمد صلى الله عليه وآله والناهي بصورة عامة عن الأمر بشيءٍ مع نسيان نفسك فيه ، وتخالف العقل حيث يستقبح النفاق ، ولا سيما هذا النفاق الذي يظهر في الأمر والنهي بمظهر الإصلاح الوفاق ، وإن هو إلّا إفساداً : ثالوث المخالفة للحق ، يحمله أنكم « تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ » ! فلو أنهم كذبوا محمداً في صيغة واحدة قبل أن يأتي ، لم يكن بذلك الخطير المضلِّل لضعفاء النفوس ، حيث تكذيبهم - وهم أهل كتاب - بعد تصديقهم ، يوكّد لمن سواهم أن محمداً لم يأت ذكره في الكتاب . ف « أَ فَلا تَعْقِلُونَ » : تقريع بعقولهم المعقولة المشدودة بأهوائهم في ثالوث اللّا عقل من أمرهم ، فالمقصود من الأمر والنهي إرشاد الغير إلى ما يُصلحه واجتناب ما يُفسده ، وإرشادالنفس والإحسان إليها أولى من الغير ، وتقديم الغير خلاف العقل ، وإن من يعظ الناس ولا يتعظ يرغِّب الناس إلى العصيان أكثر مما كان ، سناداً إلى أنه لو كان صادقاً وصالحاً لما تركه إلى غيره ، وهذا يناقض غرض الأمر والنهي وهو الإصلاح ، وأن على الآمر الناهي - إذ يهدف الإصلاح - أن يحاول في تأثيرٍ أكثر فيما يزاول ، فإذ يُقرنه بما يشجِّع إلى العصيان ، كان قد جمع بين المتضادين « أَ فَلا تَعْقِلُونَ » ؟ وهل يشترط في جواز الأمر والنهي كون الآمر الناهي فاعلًا لكل برٍّ مستطاع له وتاركاً لكل شرٍّ كذلك سراً وعلانية ، أن يكون عدلًا في واقع أفعاله وتروكه لا في ظاهر حاله فحسب ؟ قد يُظن إطلاق التنديد له في آببتنا « أتأمرون » ولكنها لا تعني إلّا ما « تأمرون . .